السيد عباس علي الموسوي

223

شرح نهج البلاغة

إنه سبحانه خلقها وحده ولم يشركه في خلقها أحد ولم يعنه على خلقها قادر لأنه القدير المطلق الذي خلقها وخلق غيرها . ( ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ما دلتك الدلالة إلا على أن فاطر النملة هو فاطر النخلة لدقيق تفصيل كل شيء وغامض اختلاف كل حي ، وما الجليل واللطيف والثقيل والخفيف والقوي والضعيف في خلقه إلّا سواء ) لو حركت فكرك وأشغلته فيما عندك من معلومات وما تملكه من فلسفة ونظريات حتى تأتي إلى نهاية النهاية وغاية الغاية فيما عندك لن ترجع بعد كل ذلك ولن تدلك الدلالات إلا على شيء واحد وهو أن خالق النملة بجثتها الصغيرة هو خالق النخلة بطولها وضخامتها ذلك لأن أجزاء كل شيء ودقتها في الصنع والتقدير ووضع كل عضو موضعه مع اختلاف الأشكال والألوان وغموض الأسباب الموجبة لذلك كل هذا يدل على أنه لا بدّ لها من مدبر حكيم وضع كل شيء موضعه ويتساوى عنده خلق الكبير والصغير والثقيل والخفيف والقوي والضعيف لأنها كلها لا تحتاج إلا إلى إرادته وكلمة « كن » المعبرة عن المشيئة فتتحقق بأكملها كما يريد وبعبارة أخرى قدرته تعالى واحدة لا تختلف باختلاف العناصر والجزئيات من المجرة إلى الذرة هي هي . . . ( وكذلك السماء والهواء والرياح والماء فانظر إلى الشمس والقمر والنبات والشجر والماء والحجر واختلاف هذا الليل والنهار وتفجر هذه البحار وكثرة هذه الجبال وطول هذه القلال وتفرق هذه اللغات والألسن المختلفات . . ) ضرب هذه الأشياء للناس كي يعرفوا إنها كلها في ميزان اللّه وهي كلها تستوي وتتساوى لديه وتحت قدرته ، فقدرته عليها واحدة فالسماء وما فيها والهواء وما يحمل والرياح وفوائدها والماء ورقته . . . وكذلك الشمس وحرارتها ومنافعها والقمر ونوره وما فيه من فوائد والنبات والشجر والماء والحجر واختلاف هذا الليل والنهار فالأول أعمى والثاني مبصر وتفجر هذه البحار وكثرة هذه الجبال وطول هذه القمم المرتفعة وتعدد هذه اللغات والألسن المختلفة كلها تدل على أنه واحد وإنه الموجد لها والمبدع وأنها كلها إليه تنتهي وهي عنده واحدة تستوي في الخلق والإيجاد وبكلمة كن يتحقق كل ذلك . . . ( فالويل لمن أنكر المقدر وجحد المدبر زعموا أنهم كالنبات ما لهم زارع ولا لاختلاف صورهم صانع ولم يلجئوا إلى حجة فيما ادعوا ولا تحقيق لما أوعوا وهل يكون بناء من غير بان أو جناية من غير جان ) .